السيد محمد حسين فضل الله

178

من وحي القرآن

التي تحكم حالة السلم في الدعوة . الثاني : قد يكون الدخول في صراع عنيف مع قريش أمرا غير عملي من خلال حسابات توازن القوى ؛ باعتبار أن الدعوة الجديدة انطلقت من المركز الخاضع لسيطرة قريش ، مما يجعل من العسير أو المستحيل الدخول في صراع القوة معها . الثالث : حاجة الدعوة إلى الأجواء التي تسمح بالكلمة الهادئة التي لا تضيع في صخب القتال والسلاح لتترك تأثيرها الإيجابي في داخل النفوس ، ولو من خلال المواقف السلبية ضدها . فإن أية دعوة تحتاج إلى فترة من الهدوء الذي يحملها إلى الأسماع والأفكار ، بعيدا عن أية عناصر أخرى ضاغطة ، لأن عظمة الدعوة الإسلامية أنها جاءت لتخاطب العقول فتفرض عليها قناعاتها بالحجة والحوار بدلا من القوة والضغط . وذلك ما يفرض أن تعمل على تهيئة الوسائل العملية التي تكفل ذلك كله . ولعلّ هذه النقطة هي التي فرضت هذا الأسلوب السلمي الصابر المهاجر في أجواء مكة ، باعتبارها المكان الأمثل الذي يمكن فيه للدعوة أن تصل إلى كل قلب وإلى كل أذن ، لأنها عاصمة الجزيرة العربية الثقافية والدينية ، مما يجعلها مركزا للتجمع في المواسم الثقافية والدينية كموسم عكاظ والحج ، أو في المواسم التجارية عقيب رحلة الشتاء والصيف ، الأمر الذي لا بد فيه للدعوة من أن تحافظ على وجودها في مكة أطول مدة ممكنة لاستغلال ذلك في تحقيق الهدف الكبير ، بحيث نستطيع الوصول إلى بعض الأجواء العربية التي لا يمكن أن تصل إليها لولا ذلك . الرابع : لعلّ هدف النبي صلّى اللّه عليه وآله وسلّم في منع المؤمنين في مكة من الدخول في صراع مسلّح مع قريش ، هو إعطاء المؤمنين الذين يدخلون في الدين - وهم ضعفاء - الفرصة للحصول على القوة بطريقة تدريجية خالية من الفروض